الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

488

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وهذا العالم هو عالم الوله والتحيّر المشار إليه بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : " ربّ زدني فيك تحيّرا " كما هو المروي عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، ومن لم يشاهد تلك الصفة المعبّر عنها بمعدن العظمة ، لم يمكنه التعظيم له حقّ العظمة ، وإليه يشير ما في حديث المعراج في وصف هؤلاء قوله تعالى : ويعظَّموني حقّ عظمتي . . ثمّ إنّ هذا المشاهد المعظَّم له تعالى يرى نفسه خاشعا له تعالى وحقيرا . وإليه يشير ما في اللوامع النورانية ( 1 ) ، وفي تفسير الإمام أبي محمّد العسكري عليه السّلام قال : قيل للباقر عليه السّلام : إنّ بعض من ينتحل موالاتكم يزعم أنّ البعوضة عليّ عليه السّلام وأنّ ما فوقها وهو الذباب محمّد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم فقال الباقر عليه السلام سمع هؤلاء شيئا ولم يضعوه على وجهه إنما كان رسول الله قاعدا ذات يوم هو وعليّ عليه السّلام إذ سمع القائل يقول : ما شاء اللَّه وشاء محمّد ، وسمع آخر يقول : ما شاء اللَّه وشاء عليّ ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : لا تقرنوا محمّدا وعليّا باللَّه عزّ وجلّ ، ولكن قولوا : ما شاء اللَّه ثمّ شاء محمّد ثمّ شاء عليّ . إنّ مشية اللَّه هي القاهرة التي لا تساوى ولا تكافى ولا تدانى ، وما محمّد رسول اللَّه في دين اللَّه وفي قدرته إلا كذبابة تطير في هذه الممالك الواسعة وما علي عليه السلام في دين الله إلا كبعوضة في جملة هذه الممالك ، مع أنّ فضل اللَّه على محمّد وعلي هو الفضل الذي لا يفي به فضله على جميع خلقه من أوّل الدهر إلى آخره ، هذا ما قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم في ذكر الذباب والبعوضة في هذا المكان ، فلا يدخل في قوله : ( إنّ اللَّه لا يَستحِى أن يضرب مثلا ما بعوضة . . ) 2 : 26 ( 2 ) . وإلى هذا الخشوع والخضوع بالنسبة إلى عظمته تعالى يشير قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : " وما محمّد رسول اللَّه في اللَّه وفي قدرته إلا كذبابة . . . إلخ " . فالأئمّة عليهم السّلام لمّا اصطفاهم اللَّه تعالى وارتضاهم لغيبه إلى آخر ما تقدّم ، فلا محالة من هذه الجهات البالغة بهم إلى ما بلغوا ، قد عظموا اللَّه تعالى حقّ تعظيمه لجلاله ، وكان تعظيمهم له تعالى كما يليق بجنابه ، وعلى وفق محبّته تعالى كما يشاء اللَّه تعالى

--> ( 1 ) اللوامع النورانية ص 14 . . ( 2 ) البقرة : 26 . .